%@ Language=VBScript %>
|
Mohamed Aziz El mesbahi |
محمد عزيز المصباحي |
مـراكـــــش 1 - نظرة أبيك لا تعلق صورة أبيك على الجدار... كن هادئا وطيعا كما يليق بإنسان جاهل أن يكون. لا تعرف ولا يجب أن تعرف شيئا. هذا هو المفروض فيك. بعد كل ذلك التيهان وطول النزيف، لاتضع صورة أبيك على الجدار, فذلك أمر كما يبدو لي, يثير ردود فعل لا تليق بك ولا بمقام أبيك. إنه أبوك وحدك وما كان أبا لأحد. احتفظ بصورته بجيبك الداخلي, ثم اختلس, مرة بعد مرة, نظرة أو لمسة أو قبلة وانظر إلى نظرة أبيك, خاطبها وافهم نفسك جيّدا. لا تعلق صورة أبيك على الجدار، لقد ظل إلى آخر لحظة، وحيدا، وديعا, ينظر إليك, يتمنى أن يجالسك وأن يستمع إليك, وإن أمكن أن يشرب معك كأسا أو كأسين...هل كنت حقا تفاخره بتطرفك وبمعرفتك؟هل قال لك مرة وعيونه ملأى بالدموع والحنان: "أنت مراكش ثروتي الوحيدة...أبيع العالم وأشتريك" ؟ ولم تفهم شيئا من كلامه, اعتبرت المسألة مسألة صراع أجيال...أليس خرافة صراع الأجيال هذا؟ ..أنت أيضا مجرد خرافة... ومنذ ذلك اليوم نزلت عليك اللعنة, لعنة جيل بكامله...انظر أيها المازوخي, أيها المسيح, ركب الجيل بكامله سفينة نوح وبقيت وحدك كأبيك تماما, والآن كن هادئا وطيعا لتفهم كثيرا من الأمور، وعلى رأسها لماذا ذبلت تلك الزهور المتوحشة, وأبحرت السفينة بدونك, ومات أبوك في عز أبوته, ولم يبق لك شيء يذكر سوى تلك النظرة....وإن شئت فلا داعي لتفهم...لقد أعلنت حبك, وحاولت وحفـــرت وناقشت, دون أن يعتريك فتور أو تراودك التفاتة إغراء صغيرة. ولم يكن هناك شيء يقود خطاك سوى نظرة أبيك, وابتسامة على ثغر طفل لم تره بعد...كانت تلوح لك.... هناك, في الأفق البعيد. 2 - حلــــــم يقظـــــة وجاؤوك من كل الجهات, مسّيفين, تارة في صفة بشر وتارة في هيئة قطط ناطقة أو كلاب أليفة... وجوه بيض وسود وحمر، طوال وقصار...و دخلوك و سكنوك. رافقوك إلى الجلسات الحميمة مع الذات, ناموا معك في نفس السرير, ولم يفارقوك حتى تيقنوا أن تلك النظرة قد ذبلت, وأن تلك الابتسامة قد ذابت...قالوا لك: "أنت مراكش المازوخي...من سمح لك بهذا ؟ من سمّاك ؟ أنت, مواطن موبوء, فاختر بين القبر أو النفي خارج المدينة "..وأنا كائن بسيط, أحب الحياة, وأتعلق بنظرة أبي. سأختار المنفى والإقامة الإجبارية بين الثعابين والذئاب في الخلاء, سأختار ألا أختاركم..."أنت الآن كائن غير قابل للتدجين, خسرت جيلك وخسرت العالم ولم تربح نفسك, ستعيش بقية عمرك بين الأحراش والنخيل في غرفة وحيدة تركها لك فلاح فقير مغفل ورحل إلى المدينة...الآن تدخل قوقعتك وتتسلـــــق النخلة, ابحث في ذاتك عن حوّائك الخاصة. اقتل جوعك ولا تبالي...ذق يا مراكش حلاوة الصراع الطبقي وتنشق رائحة التاريخ العطنة...انتهى كل شيء ... رفرف العصفور الصغير فوق رأسك وأنت مستلق على الأرض, تنظر إلى نظرة أبيـك: " أسرع أبوك يترجى أن يراك قبل الرحيل, ألا تسمع, إنه يناديك...بين الحياة و الموت ومضة قد تطول وقد تقصر, حسب طعم الموت ونمط الميت. بين عويل النساء وترتيل الرجال لغز لا يفهمه إلا الميت, بين الحياة والموت تختزل كل الأشياء والأحكام والأحداث والأفكار...يفتح في عينيك عينين واضحتين...ويموت " ياسين...يا... سين يا ... ". لم تكن نظرته كلها اعتذارا ولم تكن كلها شفقة, كانت كل شيء وآخر شيء...كان يريد أن يقول شيئا, لكن الكلمة ماتت قبل أن يموت أبوك. 3 ــ اللــوح المحفـوظ الآن تبدأ خرافتك، تلدك نخلة وتربيك نخلة. طفل, تبدأ الحياة من الأول, لا يجب أن تفرق بين التمرة والجمرة ولا بين الليل والنهار...العب كما يحلو لك واصبغ الأشجار والكثبان والأشياء بالدهشة وألوان الأسئلة...لا تعرف...هذا هو المفروض فيك...حاور ذاتك ولا تبالي. - اسمك ...رقمك...فصيلة دمك...لونك السياسي...طعمك الفني...معطفك الديني...نواياك الخفية...أعداؤك...؟ - أنا مراكش. غابوا ثم عادوا، يطلون من بين أعواد القصب الطويلة وسيقان النخيل، قد ينظرون أو لا ينظرون إليك...يظهرون ويختفون... - سّنك ...طفولتك...فرحتك...أمك ؟؟ وأخيرا قرروا - على ما يبدوا - تعيين موظف قار, لا شغل له إلا أنت, لا يفارق المكان ولا تفارقك عيناه...لا تهتم به ولا بهم, تذكر أمك, انس كل شيء, أي شيء، حتى اللغة. أنت لا شيء وكل شيء, انس الحقيقة مادامت قد عرفتها وضيعتك, انس كل ما تعرف, وقاوم...لن تكون نهايتك أجمل من نهاية أبيك, لن تجد عندما تموت حتى من يواريك التراب وينصرف لحال سبيله. تحمل وحدتك وصقيعك ووحشتك وإلا سيتهمونك بامتلاك الحقيقة, ويبحثون عنها فيك إلى أن يجعلوك تفقد ما تبقى لك من عقل ووجدان, إنهم ما وضعوك هنا إلا من أجل ذلك. قاوم قبل أن تجد نفسك في مصحة خاصة...قبل أن يزرعوا فيك بذرة المعرفة...كل الذين ملكوا المعرفة قبلك ضاعوا. كل من وضع يده على الحقيقة احترق ... تصور نفسك تشرب عصير الموز أو اللوز أو الطماطم, اصبر على جهلك...لا حاجة لك في جريدة أو كتاب أو مذياع, لا معرفة بعد اليوم إلا في ذاتك...فادخل إلى ذاتك وأغلق على نفسك النوافذ والأبواب. 4 - الحكايـــــة وما فيها بعد أن فقد ذاكرته يمكنني أن أطمئن عليه. مراكش بلا ذاكرة.لا يتذكر كيف ولا متى جاؤوا...نزل أحدهم مرة لكن صحبة امرأة وأطفال, قضوا الليل بكامله يضجون, وأصبح الصباح وهم داخل براكة من خشب وصفيح, لا تفصلها عن غرفته سوى بضعة أمتار. وأخيرا أصبح له جار, كان مراكش يتأمل أرداف زوجته دون أن يجرؤ على مخاطبتها...والموظف الخاص به لازال يظهر ويختفي بين سيقان النخيل. وحضر ثالث, ظل دوما يستفزه بقصره الشديد, كل شيء فيه صغير إلا شاربيه, كان يدخن كثيرا ويطيل النظر إليه, وكأنه مهموم به وكأنه مصدر رزقه. ولما غاب مرة, عاد بامرأة في حجمه وأطفال كالأقزام. بنى هو الأخر براكته غير بعيد عنه, وظل أقزامه يتعقبون مراكش طوال النهار...أكيد أنه لا يتذكر الآخر, صاحب الكاميرا الموضوعة دوما فوق كتفه, وكأنها جزء من رأسه, وكأنها مصوبة نحوه...وهو خارج وهو داخل, وهو يبحث عن شيء, وهو يخاطب عصافيره, وهو يصغي لنخيله أو يتغوط في الخلاء...كانت الكاميرا تنظر إليه...وجاء خامس وسادس وسابع...ومائة. أصبحوا مائتين, مئات، مئات العيون والأدمغة ترصده وترعاه وتحرسه ليل نهار...ثم بدأت الحاجة الماسة تظهر وتكبر, وبدأ البحث عن الخبز والماء والملح والنعناع والصاكة والمرحاض... "لاشك أنني لا أستحق كل هذا الاهتمام ...وربما أستحقه...لاشك أنني نادر...لا أظهر في الحياة بكاملها إلا مرة واحد..."؟ وإنه لا يتذكر – بالطبع – متى ولا كيف بدأ الرجال والنساء والأطفال والكلاب والبغال والدجاج يتناسلون حوله, وينتشرون كالنباتات البرية. كل صباح تنبت هنا وهناك منازل ودور صغيرة, تخرج منها عنوة دكاكين ومحلات متنوعة...تم شقت الطرق واقتلع النخيل وقامت صوامع ومساجد وعمارات وكنائس وحمامات وأفرنة...وجاء المقدمون والثعابين والجدارمية, وجاءت الكوميسارية والمحكمة والسجن المدني...وإدارات وفيلات وأبناك وبنايات غامضة لا يعلم ما فيها...ولماذا ؟... ثم بدأت تنمو وتزدهر أول حرفة في العالم, قبل البغاء, وقبل التاريخ...السلطة . وهو لا يتذكر السلطة...ومع السلطة ظهرت حرف أخرى كالسمسرة والتبركيك والارتشاء، و كان السماسرة والمقاولون الأمجاد أول فوج يظهر من الأغنياء, ومعه ظهرت المقاهي والفنادق والأوكار...وبدأت الاجتماعات. وجلس الناس على الأرائك يهندسون ويخططون للناس... ومراكش وحيد, لا يعرف ولا يفهم ولا يهتم, خوفا من السلطة. 5 ــ خرافــــــة قديمــــة قيل إن ذلك قد حدث منذ زمان بعيد, قيل قبل التاريخ, وقيل بعده بقليل...المهم, أنك لا تذكر متى, ولا كيف, ولا أين. أحرقت الكتب في الساحات العامة وهدمت المدارس وشرد الأطفال...كل طفل يجب أن يتعلم صنعة أو حرفة أبيه وأن يتقنها. من كان أ بوه سمسارا لا بد أن يصبح سمسارا كبيرا, ومن كان أبوه طبيبا أو وزيرا أو إسكافيا أو بائعا متجولا... ومن كان إقطاعيا ...ومن كان قوادا...ومن كان عاطلا... سيرث حرفة أبيه بامتياز، باستثناء من كان أبوه مدرّسا, فيجب أن يحال على المراكز والمختبرات الخاصة لمسح دماغه وإعادة تركيبه وتلقينه حرفة تليق بالمستقبل. وبذلك يحصل النمو والتقدم وتتحقق الحضارة بأقصر الطرق. ثم بدأت محاكمات حملة الكتب والأفكار المستوردة, كل من ضبط ينطق بعنوان كتاب أو باسم كاتب أو مفكر أو مبدع أو ضبط بحوزته كتاب أو ثبت أنه يحفظ قصيدة أو يردد فكرة...يحاكم بتهمة الزندقة والانحلال الأخلاقي والفساد الفكري والتحريض عليه... ماتت حاسة القراءة عندهم واختفت الأقلام وانقرض النخيل. ومن ابتلى من الكتاب والشعراء بمرض الكتابة أو الرسم فما عليه سوى أن يستتر وأن يدفن إبداعه في التراب في انتظار أن تكشف عنه أجيال قارئة, قادمة, بعد مليون أو مليوني سنة. 6 ــ تتمة الحكاية وما فيها ركب الجيل بكامله السفينة, ونسيه الجميع, والكل بات مشغولا عنه... حتى صاحب الكاميرا مات, ودفنت معه كاميراته ملتصقة برأسه, اختفى الأقزام فجأة... و لم يعد أحد يهتم أبدا بمراكش. 7 ــ توطئـــــة غير مهمـة وجاء ذلك اليوم الموعود. رأيتَ عيونها الجميلة. تذكرت أباك. قلت: "هذه هي حوائي المنشودة. هذه هي المرأة المعلومة التي سوف تلدني..كل النساء أمهات... " وبسرعة بدأ الشيب يغزو رأسك, وبدأت تنشئ الحوار مع أطفالك الرائعين... تتعلم منهم نطق الحركات ودلالات الأصوات... كان همك طوال النهار أن تلاعبهم لعبة الحمام والغربان, وأن يقرأوا في عينيك مأساة هذا الإنسان...عسى أن يهاجروا يوما بحثا عن الزمان. لن أحكي لك القصة بكاملها, سأتوقف هنا. فقد بدأت تعرف. وعندما تعرف, قلت لك مرارا, إنك ستضيع, وعندما تضيع ستعود حتما إلى صورة أبيك, إلى تلك النظرة...أرجو ألا تعلقها على الجدار, حتى لا يضطر أولادك لارتكاب نفس الخطأ معك...وعلى أي حــــــال، ذلك أمر فج لا يليق بمقام أبيك... سأتركك الآن، لقد فعلوا كل شيء...أسسوا من أجلك مدينة كاملة، لم تعد موبوءا كما ادعوا... ولم يتناسوا إلا شيئا واحدا, أن يسموا هذه المدينة باسمك, فأنت نواتها...دعنا من الكلام الفارغ, إنك رغم كل شيء, لا تملك شبرا واحدا منها, لا تملك سوى ما دفنته تحت النخلة من كلمات. سأتركك الآن...لا تنس أبدا أنها نظرة أبيك.. فلا تضع صورته على الجدار.