|
محمد عزيز المصباحي
|
|
Mohamed Aziz El mesbahi |
||||||||||
|
||||||||||||
| العازفان |
| * والعازف الأول هو
السارد في قصص محمد عزيز المصباحي . إذا تركنا جانبا عمل هذا السارد
المهني كوظيفة فنية داخل النص، وتعاملنا معه كشخصية قصصية، وهو كذلك
فعلا، فإن أهم ما يتميز به هو العزوف: فهو يعزف عما / أو من / حوله، لأنه، يبدو له تافها أو زائفا أو منافقا وانتهازيا ... الخ . وهو يبدو أحيانا مراقبا ، محايدا لما يجري أو لما لا يجري، ولكنه يراقب باستنكاف. مراقبة فوقية يائسة لا ترتاح لوضع ولا تثق بوعد ولا تتوقع أي تغيير. وهو لا يطمح ولا يطمع، لايخطط ولا يناور ولا يسعى. همّه الأساس هو النصوص و الكؤوس. ولو سألته : " ما هذا يا خِضْر ؟ " لأجابك: " ليس وراء الأكمة ما وراءها .. ليس وراءها غير البهتان والكذب والنفاق " وهو أخيرا لا يَألف ولا يؤلف. نفور ، ملول، عزوف ، متوحد، معتزل، كأنما صيغ من مزيج سحري ، مادتاه الأساسيتان هما كاف كافكا وغريب كامي. * والعازف الثاني هو الكاتب. والكاتب كما تقدمه لنا نصوص المصباحي يعزف على وتر واحد هو شخصيته القصصية الأولى. لكنه يوزع موسيقاه توزيعا متنوعا بحيث تبدو أحيانا وكأنها تعزف على أوتار متعددة في آلة واحدة، وأحيانا أخرى كأنما تعزفها أوكيسترا من عدة آلات ، وهي في كل ذلك تمارس في وعي المتلقي المعياري التقليدي وظيفتها التخريبية; تفكيك النماذج: ـ تفكيك خطية السرد بالأرقام والعناوين الداخلية. ـ تفكيك الحكاية بالهلوسات والتأملات والانتقاد الساخر و الانتقال العازف عن الإكمال. ـ تفكيك وحدة النص بزرع النصوص داخل النصوص. ـ تفكيك وحدة السارد بالالتفات من ضمير إلى ضمير. ـ تفكيك المتعة الجمالية المتوقعة بالعناوين السوداء: ( كلمة واحدة، غالبا وذات دلالة مواربة تنذر ولا تبشر ). ـ تفكيك اللغة القصصية التقليدية المضمِّدة لجروح القارئ وتعويضها بلغة واخزة، تحلق كلماتها الجوارح فوق جثة القارئ الذي ينحفر النص أمامه كقبر، ولكنه قبر لُعَازِر، من دفن فيه يحيا، ومن بعث منه لا يموت. إنه النهر. ثبت المجرى ، ثابت الضفاف، ولكن مياهه تتجدد باستمرار. وتبدو كل قراءة جديدة لنصوصه كأنها القراءة الأولى. حوريات الجنة كلما افتضّت بكارتهن عادت فالتأمت من جديد، فهن عذريات أبدا مفتضات أبدا ... قاتلات، قتيلات، ولا ينقصهن إلاّ القارئ الشهريار. ** العازفان معا: العازف عن ... والعازف على ... خيطان جماليان يتوازيان ، أحيانا كخطي السكة الحديد يوصلان ولايلتقيان. ويتقاطعان أحيانا ويتداخلان حتى يغدوا خيطا واحدا يقود القارئ بمكر نحو داخل المتاهة. هذان الخيطان هما اللّحمة والسّدَى اللذان ينسج بهما المصباحي نصوصه القصصية . ....... أحمد بوزفور حفل احتفاء بالكاتب محمد عزيز المصباحي مكناس 17/12/2005 |
|
سرد ملذات الصراع
الطبقي |
|
كتب
القاص محمد عزيز المصباحي حينما أهداني مجموعة "قتلنا الجثة"
يقول:"إلى... في ذكرى حلاوة الصراع الطبقي"! والواقع أن تلك العبارة
تكاد تلخص إحدى أكثر الثيمات بروزاً في نصوص المجموعة. ومن الواضح أن
ثمة كيداً ما تثيره حلاوة الصراع الطبقي وبالأخص سؤال متى/ من قتل/
مات/اغتيل/اختفى.. الصراع الطبقي وبالتالي انعدمت حلاوته ولذاته؟ ثم
كيف يمكن للمرء أن يستمرئ ذكراه ويعطيها مذاق الحلاوة
منزاحاً بذلك انزياحاً عما يرتبط بعبارة الصراع الطبقي من
مرارات وويلات ومهازل وخيبات..؟
بقراءة نصوص"قتلنا الجثة" يدرك القارئ بوضوح أن الكتابة الفنية عن أي
موضوع اجتماعي قد لا تكون إلا معالجة لتلك الموضوعات بسخرية صريحة أو
مبطَّنَة، وهذا هو شأن الموقف من "المتصارعين الطبقيين" في حلبات وهمية
يسيجها عبث مُصِرّ على جعل المرء مدمناً ميؤوساً من شفائه
وإقلاعه عن تعاطي ما يجعل منه كائناً مختفياً في لعبة
ظلال المصطلحات والمفاهيم، بقطع النظر عن مصادر وظروف إنتاجها.
وعلى هذا النحو نجد مقولة الصراع ذاتها تتجسد في صراع الفرد مع ذاته
وهروبه المستمر من مجتمع لا يريد أن يتركه (يدخل سوق رأسه وينصت لعظامه
المخلَّعَة بمختلف الرضوض وتوالي النكسات). فالمجتمع لا يكف عن مراقبته
بمختلف وسائل المراقبة وأساليبها المشروعة وغير المشروعة لينتهي به
المطاف إما إلى الجنون وإما إلى كائن طيِّع للمؤسسة العظمى، وقد تشرَّب
طوعاً وكرهاً قيمة القيم في مجتمعها أي السلبية المطلقة واللامبالاة
التامة بما هو عام، أي يصير بالفعل جثة تسعى، تحسب نفسها حية وما هي
كذلك بأي معنى من المعاني، والمؤسسة العظمى هنا هي مؤسسة بيت الزوجية
الذي يطوع كل شئ، بحيث تحول الواقع المر خيالاً وأوهاماً لذيذة. وهذا
البعد يخترق كل نصوص المجموعة تقريباً بصورة مباشرة أو عرضية، بل حتى
النصوص التي تقاوم، ظاهرياً، تدجين المؤسسة الزوجية مثل نص" الفكرة
الخطيرة" لا تستثنى من هذا الحكم.
الصراع في مواجهة المؤسسة التي تسحق أحلام الفرد وتفقده الإحساس
المتجدد ببكارة الحياة مع إشراقة
كل يوم يتكرر
إلى ما لانهاية، وهكذا تضيع على الإنسان كل الفرص ليكتشف ما في ذاته من
قدرات على الإبداع والابتكار وتطوير كينونته نحو الأفضل والأجمل.
يعكس القاموس الساخر في المجموعة تفاهة انغراس الشخصيات في الحياة
القطيعية الرتيبة القائمة على تكرار الطقوس والشعائر التي لا يعرف أحد
علاقتها بالحياة في بعدها الإنساني الأعمق، وهذا البعد هو أحد تجليات
الإدمان بمختلف أشكاله وألوانه بما هو تكرار ورتابة
وانعدام لأي تجديد إيجابي أو إغناء لشخصية المرء...
يقود الإدمان ـ حسب تجلياته في قتلنا الجثة ـ إلى التركيز على أخطر
ألوانه: إدمان أحلام اليقظة والكوابيس المرعبة، حيث يشكل الخوف من تهمة
المساس بجلد الأمن العام ـ حسب تعبير أحد رواة المجموعة ـ هاجساً
ثابتاً تجعل الشخصيات في هذه النصوص تشك في كل شئ أشخاصاً وعلاقات
وتعابير وإشارات.. وتؤولها وكأنها جزء من مؤامرة عامة لا هم لها إلا أن
تورط الفرد في زلة لسان أو حركة مريبة لتقضي على أمنه النفسي والجسدي
والعقلي قضاء مبرماً.
يتشكل الصراع إذن في نصوص هذه المجموعة على مستويات متعددة ومعقدة. لكن
ربما حق لنا القول بأن الصراع مع الأنا/الآخر هو أبرزها وأكثرها
حضوراً، حيث تتشظى الذات في حوارات مونلوجية تمثل فيها لعبة المرايا
المتعددة مكانة مركزية. ذلك أن الحوار مع الآخر أصبح شبه مستحيل، وإن
حدث فهو حتماً يؤدي إلى جريمة قتل أو اغتصاب غير معلنة. ولعل نص"الجثة"
أن يكون مثالاً جيداً على هذا الجانب الذي يرسم صورة أخرى عن الذات ـ
الدابَّة بالمعنيين الحيواني والحركي للكلمة. بل إن الشخصية ـ وقد
دجنتها المؤسسة العظمى ـ
يتعلم الحوار" الرزين" من أبنائه الصغار لا كعودة إلى لغة الطفولة
وبراءتها ولذة اكتشافها لجدة العالم بل باعتبار ذلك التعلم شرطاً
معبراً عن استكمال شروط التدجين التام.( نص: مراكش، ص27)
الطرف الموجه لكل أنماط الصراع في نصوص المجموعة هو اليومي، المبتذل في
إصراره الراسخ والعنيد على إخضاع الأحلام
والمثاليات وجعل "المثقف" مجرد بذاءة على سطح الواقع، كائناً
محطَّماً وجُرَذاً أعمى في أقبية كتبه"السحلية" الصفراء، منقوعاً في
الكبت الجنسي والحرمان المادي وزيف الهوية، متوغلا بل ضليعاً في مكيدة
الصمت عن "الخطأ بل و"احترام
الخطأ"(ص50).
في خضم الصراع من أجل البقاء بعيداً، خائفاً مما تسميه إحدى الشخصيات(
المس بجلد الأمن العام أو من التعامل مع دولة أجنبية ـ ص.52 ) تتنازل
الشخصية الإنسانية تدريجياً عن مقومات كينونتها إلى أن تصبح مجرد قالب
فارغ و(ببغاء) لا يردد إلا ما يُمْلَى عليها. هذا الجو الكابوسي،
الكافكاوي إلى حد مّا هو ما صار يطلق عليه في الأدبيات السياسية:
"سنوات الجمر والرصاص". وسواء كان هذا التوصيف ملائما أم غير مطابق فإن
الجو العام لقصص"قتلنا
الجثة" يحيل على مجتمع أخصيت فيه القيم الإيجابية للخلق والإبداع
وتجاوز الأنانيات الضيقة لصالح قيم الجشع والحقد وأكل البشر مشوياً
ومقلياً(ص.52) أي بعبارة سادت قيم الغاب، حيث تنمو المدن والأبناك
والأحياء الباذخة.. بسرعة جنونية بعيداً كل البعد عن أي حضور لما
يعنيه لفظ"تمدن" في الاصطلاح الخلدوني كمقابل للتوحش( انظر نصوص:
بصمات، مراكش، ثرثرة أمام كأس..)؛ هكذا صار التمدن مطابقاً لنقيضه
تماماً.
تسجل نصوص"قتلنا الجثة" نفسها في تجارب السرد المغربي الحديث على مستوى
تعدد وتنوع أنماط السرد فيها. فهي من ناحية تبدو وكأنها نص واحد، دائري
يمكنك أن تبدأه من حيثما شئت، نظراً لوحدة التجربة العامة في كل نصوص
المجموعة، فكأنها صادرة عن نفس النفَس وتحكمها نفس الرؤيا: انفصام
الشخصيات عن الواقع وجبنها وخنوعها لإرادة الوعي السائد، وحتى عندما ـ
أو هكذا يبدو الأمر من القراءة العابرة ـ تحاول التمرد فإنها لا تزداد
إلا انغماساً في تفاهة الواقع اليومي المبتذل، فكلما تكررت التجربة
تكرر السقوط. والنتيجة أن لا أحد يؤدي عمله كما هو مطلوب أو ينسجم
سلوكه مع منطق تخصصه: فالعالِم، مثلا، يدمن الخمر اتقاء لعين الحسود!
والأستاذ الجامعي يحشو أذهان الطلبة بمختلف التناقضات فيتقبلونها منه
لأن فلسفة الجميع هي"احترام الخطأ" وهكذا دواليك.
لكن نصوص المجموعة من جهة ثانية تبدو وكأنها سخرية من تجربة جيل
خائب، جيل مضحِك ـ مبكٍ. وذلك ما لخصته العبارة الساخرة: (ذُقْ يا
مراكش حلاوة الصراع الطبقي وتنشَّقْ رائحة التاريخ العطنة..
انتهى كل شيء...ص.23). هذا الواقع يلقي الضوء على العلاقة بين رواة
نصوص المجموعة ومحكيات شخوصها. فرغم التماهي الوهمي بين هذين المستويين
إلا أن الراوي العام لتلك المحكيات يتخذ مسافة واضحة من تجربة ذلك
الجيل الخائب. فنبرة السخرية الواضحة من الواقع المأساوي الذي لا تعيه
شخصيات المجموعة كمجموعة من المآسي تُتَرْجَم بسرد مَرِحٍ يجعل القارئ
في كثير من المواقف ينفجر ضاحكاً أو على الأقل يبتسم ابتسامة رثاء
لواقع تلك الشخصيات وهمومها التافهة وسقوطها المبتذل، وهذا ما يخلق
انطباعاً بأن تلك الشخصيات/ الجيل لم تعش في العمق مقولة الصراع الطبقي
ولم تعانيها إلا كوعي زائف، فكانت ضحية وأضحوكة في نظر الوعي السائد
نظراً لسذاجة علاقاتها بالواقع وسطحيتها؛ لذا سهل عليه إعادة تدجينها
بسرعة فعادت حليمة إلى دارها القديمة وقاعدتها الأليفة(حرفة بوك
ليغلبوك؛) أي عادت الآلة الاجتماعية التقليدية لإعادة إنتاج ذاتها بعد
أن أجهزت على الثقافة والمدرسة"الحديثة":
(خرافة قديمة: زعموا أن ذلك قد
حدث منذ زمان بعيد، قيل قبل التاريخ، وقيل بعده بقليل... المهم، أنك لا
تذكر متى، ولا كيف، ولا أين. أحرقت الكتب في الساحات العامة وهدمت
المدارس وشرد الأطفال... كل طفل يجب أن يتعلم صنعة أو حرفة أبيه وأن
يتقنها. من كان أبوه سمساراً لا بد أن يصبح سمساراً كبيراً، ومن
كان إقطاعياً... ومن كان قواداً... ومن كان عاطلاً... باستثناء من كان
أبوه مدرساً، يجب أن يحال على المراكز والخبرات الخاصة لمسح
دماغه وإعادة تركيبه وتلقينه حرفة تليق بالمستقبل. وبذلك يحصل النمو
والتقدم وتتحقق الحضارة بأقصر الطرق 26).
تتداخل أصوات الرواة والساردين وتتناوب المواقع في النص الواحد بشكل
يجعل القارئ يظن أحياناً أنه أمام حكاية جديدة وأن النص عبارة عن كولاج
لمجموعة من القصص القصيرة جداً. وهذا ما يجعل إدراك توجهات ومقاصد
تلك الأصوات بحاجة إلى تركيز خاص
وخبرة بلغات السرد الحديث وأنحاءها المتنوعة حتى يستطيع
الاستمتاع حقاً بلذة محكي حلاوة الصراع الطبقي. ورغم ذلك فإن
مجموعة"قتلتنا الجثة" تحتفظ للقارئ العام"العادي؟" بحظه من الاستمتاع
وذلك لشفافية لغات الساردين وجنوحها نحو التعبير الشعري في كثير من
المواقف والمقاطع.
ربما كان نص"غواية"هو الأجدر بحمل عنوان"الجثة". فهذا النص يبدو لأول
وهلة وكأنه نشاز بين نصوص المجموعة من حيث " موضوعه " أو محوره: حارس
مستودع الأموات يمارس الجنس على جثة فتاة، تحكي القصة حياتها في مقاطع
متداخلة ومتناوبة على شكل استيهامات بفارس /فارسة أحلام تنتهي بها إلى
الانتحار واغتصاب جثتها على ما يبدو، ليس الأمر بطبيعة الحال على هذا
النحو من التلخيص الجارح والمخصي لخصوبة النص وكثافته وجمالياته. لكن
الأساس أنه يعتبر"نموذجاً" لنصوص المجموعة من حيث تعقد الرؤيا وتعدد
الرواة ووجهات النظر...حيث يتعاقب على النص:
1 ـ
"وردة" الضحية المفترضة، نموذج المراهقات المستلبات بصور نجوم السينما
والمغنين الأمريكيين الشقر ببذخهم وسياراتهم الفارهة...
2 ـ
ضمير غائب يراقب"الكاميرامان" الذي يراقب بدوره الرجل التافه ذي الوجه
القردي الذي هو حارس مستودع الأموات.
3 ـ
ضمير متكلم: صوت حارس مستودع الأموات.
4 ـ
مخاطِب يتوجه بخطابه إلى"وردة" مستكملا حكايتها
5 ـ
ضمير غائب يتابع سرد حكاية حارس مستودع الأموات
6 ـ
ضمير غائب يتساءل ويتأمل من كان وراء إبداع مؤسسة مستودع الأموات.
7 ـ صوت
حارس مستودع الأموات
8 ـ صوت
متكلم: فاطمة منظفة مستودع الأموات.
هكذا نرى أن كل مقطع من القصة يضطلع بسرده راو خاص فنكون على الأقل
إزاء ثماني رؤى للحدث الذي لا نتأكد في النهاية من ماهيته. ذلك أن
النظرة الظاهرة تقتضي أن نعتبر صوت فاطمة منظفة مستودع الأموات هي
الراوي / السارد العام الذي نظم أصوات ورؤى بقية الرواة. وبالتالي
فالنص يصير من حيث تجنيسه عبارة عن"إقرار" أو"اعتراف" أو"شهادة"
أو"وشاية" على أساس أن الفضاء الذي نطقت فيه كلماتها/ محكيها هو دائرة
الشرطة أو المحكمة. أما مفهوم "الضحية" المفترضة فيتوزع بين"وردة" التي
قد تكون هي نفسها فاطمة المنظفة" ثم حارس مستودع الأموات الذي لانعرف
فعلا ما إذا كان قد ارتكب ذلك الفعل الشنيع أم أنه مجرد استيهام من
قبله أو من قبل فاطمة؟ وأخيراً المنظفة ذاتها. وآخر الضحايا بطبيعة
الأمر هو القارئ الذي يحفر له الراوي قبراً هو النص ذاته، كما صرح في
نص" العنكبوت" حيث تنتهي القصة هكذا: ( أفترض أن نوية
شديدة من الضجر قد أصابتني، ولم أجد وسيلة أدفع بها ضجري سوى أن أنصب
لك هذا القبر"(ص20).
وعلى
هذا يصير القارئ بدوره جثة يقتلها الساردون والرواة والقصاصون
في الساحة العامة لمعرض مستودع
الأموات.
من خلال هذا المثال الذي لم نخض في تفاصيله ندرك أن القصة عند
مؤلف"قتلتنا الجثة" ليست بسيطة بل إن إدراك دلالتها العامة تقتضي
المرور بمستويات قرائية متعددة والانتقال من تأويل إلى تأويل حتى نتمكن
من التجسير بين مختلف الأصوات التي تروي وتلك التي تسرد لكي ندرك مواطن
الانسجام والنشاز والاصطراع بين مختلف سجلات خطابات الشخوص الذين لا
ينفكون يغيرون أقنعتهم من مستوى إلى آخر ومن سجل إلى سجل، مانحين
القراءة مزيداً من خيبات أفق الانتظار، ومزيداً من الاكتشافات
والمفاجآت في سرد حلاوة الصراع الطبقي وملذاته.
مراكش07/03/09 |
الإصرار على ورطة القص
|
|
علاقتي بمحمد عزيز المصباحي علاقة قديمة جديدة:
قديمة:
منذ اطلاعي على نصوصه الأولى المنشورة بعدة مجلات مغربية (الزمان
المغربي نموذجا)... إذ أجدني
قد تعرفت على نصوصه والفارق بيني وبينه أجيال.
جديدة:
على المستوى التنظيمي والأفق الجمالي والفني...
لذلك فالمسافة الفاصلة بين قارئ الأمس (أنا) وكاتب الأمس/اليوم (هو)،
أخذت مسارات مختلفة...
فعندما تجالس محمد عزيز المصباحي تجد نفسك في حضرة أفاق قصصية مشرعة
على المغامرة، ممتطية صهوة التورط في متاهات القصة القصيرة دون
الانشداد إلى قيود مدرسية تكبل جموح خيال القاص الذي لا يضاهيه إلا
القلق الفكري الباحث دوما وأبدا عن الإمساك بظل القصة الهارب
المنفلت...
عرفت بأن المصباحي يكتب، أو اسمحوا لي، يطرز لأن فعل كَتَبَ لا يفي هنا
بالغرض، فالقاص الذي أتحدث عنه، ينقش نصوصه بمهارة الصانع: يكتب مسودة
نص قصصي في سنة، يراجعه في السنة الموالية، ينشره ويتلذذ بآراء
المتلقين في السنوات الأخرى... وبالتالي يصبح النص القصصي في عُرفِ
المصباحي "النص الخِبرَة" أو "النص المتن" لآن القارئ المتأمل لنصوصه
يفاجأ بنصوص داخل نص واحد.
تجريب المصباحي:
إن قراءة مجموعة "قتلتنا الجثة" تجعل محمد عزيز المصباحي من الكتاب
القلائل الذين يكتبون بأعينهم، فهو قاص يرى أكثر مما يتخيل، وهذا في
نظري أهم أفق تجريبي يخوضه المصباحي: لا أعرف هل هو واع به أم لا؟
المهم أن جل نصوص المصباحي تمتح من المرئي "Le
visuel"...
انخرطت القصة
المغربية دائما في مغامرة الشخصيات الخيالية، ولم تهتم بالشخصيات
المرئية البصرية مما جعلها تجتر وقعا أكثر دراماتيكية من درامية
شخصياتها الخيالية... عندما نقرأ نص "أيقونات" مثلا، نجد أن المصباحي
ينتقل من مستوى بصري إلى مستوى آخر وكأنه يصنع مشهدا مسرحيا أو لقطة
سينمائية بجرعات محسوبة. يتكون النص القصصي عند المصباحي وفق مسار
لولبي لا خطي، إذ لا يستطيع القارئ أن يتنبأ بما ستأتي به الدورة
اللولبية للمتواليات السردية عند السارد محمد عزيز المصباحي.
تختصر النصوص
القصصية المتضمنة ضمن الأضمومة القصصية "قتلتنا" الجثة، مسار
أجيال/تجارب قصصية، وتختزل فقرات نصوصه تلوينات القصة المغربية
الجمالية والفنية، وتستدمج لغات المغرب...
يمكن أن نتحدث عند المصباحي عن مفهوم الفقرة القصصية لأن البناء القصصي
عنده يستند على لحظات سردية تتضمنها فقرات تختلف من حيث الطول أو
القصر... وبالتالي فالقص عنده يتشكل عبر دفعات انطلاقا من نظام
الفقرات.
استراتيجيات التجريب:
من بين أبرز استراتيجيات التجريب عند محمد عزيز المصباحي ما يلي:
ـ التقطيع: ويمكن تقسيمه إلى تقطيع حسب الثيمات وآخر حسب تحولات السرد
(عبر الأرقام، اللوحات...).
ـ الاشتغال على اللغة: اختراق اللغة لكل انتماءات الشخصيات
ووضعياتها...
ـ التداخل الأجناسي: سينما (لقطات بمستويات متعددة...)، مسرح (مشاهد،
لوحات درامية...)، تشكيل (تقطيع، كولاج)...
ـ الانشطار (يأتيك القص شظايا وشذرات).
ـ الرهان على القارئ المتفاعل (القارئ هو جامع الشظايا أو جامع النص
ككل).
ـ البوح (من خلال مظاهر فردية: يُخَيلُ للقارئ أن المصباحي يكتب عن
ذاته في حين أنه يتماهى مع شخصياته؛ ثم من خلال البوح الجمعي: يرى نفسه
في الجماعة وبالتالي يدافع عن هوية الجماعة//الوطن... ).
ـ تكسير السرد الخطي عبر إيقاعات لولبية حيث يمكن تشبيه القاص بطاحونة
سردية هوائية قابلة للتأقلم مع مسارات مفاجئة... فنصه القصصي مبني
دائما على المفاجأة والمباغتة.
ـ الرؤية الشمولية/المجزأة: نصوص المصباحي (أحيل على نص: "ليس الذكر
كالأنثى") ذات نظرة شمولية تنحدر بالتدريج نحو الجزئي.
ـ قلق السؤال: كنت دائما أتشبث وأدافع بين أصدقائي وبعض زملائي مدرسي
الفلسفة على أن الخيط الرابط بين الأدب والفلسفة ضئيل جدا إلى درجة
يكاد لا يرى أو ينمحي في بعض الأحيان، وبالتالي يمكن تبسيط بعض
المفاهيم الفلسفية المجردة بواسطة نصوص أدبية مختارة... نصوص المصباحي
مليئة بالأسئلة الوجودية وكأننا أمام متوالية إشكالية في بناء فلسفي
نسقي عوض بناء قصصي.
ـ الأفق البصري: نصوص المصباحي مكتوبة بعين راصدة يقظة وليس بقلم حالم،
ومعنى هذا أن القاص متورط في المرئي من خلال اليومي لأن المشكل في
العين وليس في المَعين الأدبي أو التراكم المعرفي... كثير من الناس لا
يحسنون الملاحظة رغم الحنكة المعرفية!
ـ تدريج الفصيح وتفصيح الدارج: من خلال التحول والتبدل والتقمص...
المصباحي المتحول:
انخرط محمد عزيز المصباحي منذ مدة في الانفتاح على آفاق رحبة لترويج
المنتوج القصصي المغربي عامة، ومنتوجه الشخصي خاصة... وذلك عبر انخراطه
في مجال النشر الالكتروني من خلال موقعه الشخصي الموسوم بالقصة
المغربية القصيرة...
أسوق هذه المعلومة
لأقول عن المصباحي كائن يؤمن حد النخاع بالتطور والذهاب إلى الأمام،
وهذا ينعكس على أفكاره وتصوراته للقصة، فهي بالنسبة إليه مستقبلية،
تُرَاجَعُ في كل حين على أساس أن مقومات الإبداع غير ثابتة... وهذا في
نظري هو الأفق الخيالي الذي يشتغل في إطاره المبدع المصباحي: نصوصه غير
متشابهة، يشتغل على تدمير الحكاية بجرعات دقيقة، شخصياته ملتبسة وحائرة
وممزقة، آراؤها (وجهات نظرها) مضطربة شأنها في ذلك شأن نفسية السارد...
الفريد في
شخص المصباحي قدرته على التأقلم والتبدل والتحول؛ عندما تجالسه تحس
بأنك مع إنسان لم يفعل فيه الزمان شيئا، إذ لم يكن وثوقيا ولا دوغمائيا
ولا نصوحا حتى... مع العلم أن نصوصه عابرة للأجيال والمسافات، فنص
"مراكش" مثلا، نص مُؤَسِّسٌ لبعض من جماليات القصة المغربية، كما أن
نصه القصصي "ثرثرة أمام كأس" نص تسعيني بامتياز... إن رجلا يملك كل هذه
الاستعدادات التقنية جدير بأن يكون تكنوقاصا. |