القـصة المغـربـية القـصيرة

محمد عزيز المصباحي

Mohamed Aziz El mesbahi

بــصــمـــــات
 
1 ــ قد يحدث لي أن أكون مسافرا على جناح السلامة إلى مدينة لا شغل لي فيها ولا "مشغلة" إرضاء، فقط، لنزوة فضول عابرة ...
 أندس بين ركاب ذوي سحنات متشابهة وكأن آلة واحدة طبعتهم، تخنقني رائحة كرائحة الأغنام، ورغم ذالك لا أرى طوال الطريق زرعا ولا ضرعا غير الصخور والأحجار والمنعرجات الموحشة...وهذا"الصهد " الذي لا يطاق، ورغم ذالك أطيقه وأسلي النفس الضجرة بتأمل هذا الواقع المغربي القاحل، من خلف النافذة ، أنظر إليه، من خلال عيني سائح أجنبي قرير العين، وغير مهتم بشيء، ينكبّ على كتابة مذكراته وهو يلوك العلك الأمريكي ... ماذا يكتب ؟
 
2 ــ هذه مدن سُريالية، لاشك أن الذين بنوها كانوا فنانين كبارا، بنوها بقلوبهم، لا بعقولهم  ويبدو أن هذه الأزقة الضيقة و الجدران المائلة والسراديب المظلمة ... هي عواطف خافتة ، مكبوتة أو عنيفة، مكشوفة، كانت ـ وربما لا تزال ـ تسيل هنا ...المدينة متاهة، إخطبوط، قرية إسمنتية كبيرة، كارثة يومية ...هل تعرفون شيئا عمن يصنع لهذه المدينة أو تلك سمعتها ؟ ومن سيّجها وسمّاها؟ ومن نحت تلك الدلالات المشبوهة التي تلتصق، عنوة بها، فتغريك بالسفر إليها أو محوها بصفة نهائية من خريطتك؟ أعرف، بحكم معاشرتي لعدد من هذه المدن، أن البشر يختلفون من مدينة إلى أخرى، كذبابهم، وكنظراتهم المنكسرة أو المحدقة فيك أو المحلقة حولك، لكني لا أعرف على أي أساس يهندسون هذا الاختلاف .. وهذه المدن النابتة كالفطر، دع عنك أن لكل مدينة تاريخين، تاريخا علنيا، فلكلوريا، وتاريخا سريا، مدفونا في القلوب والقبور المهتوكة...واللغات، فهذه أمور لا يجادلك فيها أحد .
 
3 ــ طبيعة ساحرة، يقول رفيقي، كأنه يعتبرني أعمى، فأقول: طبيعة قاحلة، ويرد: بل فاتنة ..وفي الأخير نتفق ـ ما دمنا على سفر ـ على أن مفهوم الفتنة أو السحر أو الجمال لا يرتبط دائما بكل ما هو يانع وخصب، وأن مفهوم  القحولة لا يرتبط  أيضا باليابس والجاف، لأن أحكام الإنسان الانطباعية نفسية، تصدر عادة من الداخل وليس من الخارج. ونضحك رغم " الصّهد " ورائحة الأغنام... الأصدقاء عادة كقطع النقود، يمكن أن تحتفظ بها في جيبك طلبا للأمان ، ويمكن أن تلقيها على قارعة الطريق أو تتصدق بها أو تستبدلها بشيء آخر أكثر نفعا...
   أزيل نظارة السائح الأجنبي القرير العين، عن عيني ، وأقول له هل تعلم ياعزيزي أن المدن كائنات حية، يمكن أن تموت في أية لحظة، وأنها ليست حرة في اختيار المكان الذي تنبت فيه ؟ لذلك تكون ذاكرتها في الغالب أوْهَى من طينها ومن الصداقة والقرابة والأخوة والجوار والمواطنة الرخوة، بل لا قلب لهذه المدن، لا ذاكرة ولا وجدان.
 
4 ــ  خنيفرة ترحب بكم ...على باب كل مدينة يصادفك رقم 40 بخط عريض، ربما هو كناية على الأربعين( حراميا )الذين يحرسون كنز المدينة
 أو على "علي بابا " المواطن الطيب الذي عاشر القوم أربعين يوما فصار حراميا مثلهم ... قال رفيقي: مرحبا بك في ذاكرتي.
    وكانت ذاكرته ركاما من الأحياء والبيوت الرمادية الواطئة والمتداخلة، تخترق شرايينها دروب ضيقة متربة، أين ما وليت وجهك لا ترى سوى القمامة والأبواب المفتوحة على مصراعيها في وجه المياه الآسنة... والأطفال، والأطفال.. لاشك أن معجزة ما وراء تحول رفيقي هذا إلى كائن إنساني مثقف، تؤرقه المعرفة وكتابة شعره الموزون، المقفى، الخالي من أي معنى، والذي يتعمد أن يرتله على مسامعي كلما أراد أن يضجرني... أفتح مسامي للمزيد من الصهد ونشرة الأخبار الزوالية ، ورائحة دخان ( الكفتة ) المشوية ، اللذيذة المستفزة، ورائحة دخان بنزين الحافلة الخانقة ..و( خصّك شي بنت ؟) وأنا (خصْني) قافلة من البنات ، خصْني مجتمع آخر...
 
5 ــ  في تلك الليلة، قتلني رفيقي العزيز .. استضافني في بيت عمه ... كانت أول وآخر مرة ألتقي فيها بخنيفرة ... كانت في قمة غوايتها، تقتحمني عيون نسائها من شمالي وجنوبي وشرقي وغربي، كنت آدم يتلذذ بطعم التفاحة، كنت مقتولا لا محالة ... في المساء شربنا أنخاب العيون المنفلتة من نقابها، فرّقنا بين الإستراتيجية والتكتيك و معا صلّينا على ماركس وترحمنا على هيجل.
      ــ هذه ابنة عمي، لك هذه الليلة، قالها ثملا...
      ــ قلت: وعمك ؟
     ــ قال: لاأريدك أن تكون معقدا، هي ليلة فقط وسيكون عمي سعيدا .
لم أفهم، ولم أكن أريد أن أفهم ولا أن أفقد هذا الصديق وبهذه الطريقة الفجة... لكنه فقدني... وفقدته... إلى الأبد. كانت تلك الليلة بيضاء، قاحلة، حزينة، بل كانت بداية نهاية ونهاية بداية .. لا أعرفها.
   لكني عرفت فيها أمي الأخرى، الجميلة، الصامتة، الشهيدة، الساقطة... أمي الأولى... فقدت فيها رفيقا من رفاق الدرب، هل فقدت الدرب؟ بالتأكيد... ورجعت وحدي.
 
6 ــ سألته: ما علاقتك بالمدينة، بهذه المدينة أو تلك؟
 ــ حسب فلسفتك هي علاقة بامرأة، أمّ أو أخت أو عشيقة أو صديقة... وحسب فلسفتي هي علاقة بذاتي، بذاكرتي.
 ــ إذن المدينة أنثى وليست ذكرا .
 الفرق الوحيد ــ قال ــ هو نوع العلاقة التي تربطك بها.
 ــ ولذلك بالضبط ، لا أربي ( الكبدة ) على المدن، أنا مثل ذالك السائح الأجنبي الذي لا يتوقف عن كتابة مذكراته، أربي الكبدة على الكتابة وعلى الزاوية التي ينظر منها كاتب ما إلى المدينة، إلى تلك المرأة.
 
7 ــ أسجل في مذكراتي وعلى مسؤوليتي التامة، الانطباعات التالية، راجيا ألا يثق بي أحد.
   إني أرى وبكل وضوح أن المدينة بمفهومها العصري الحديث هي مدينة غربية بامتياز، لا وجود لها في عالمنا العربي بأسره، لأنها غير موجودة لا في ثقافتنا ولا في أمخاخنا القروية ولا في سلوكنا اليومي .. نحن نعيش في خيم إسمنتية ومداشر كبرى، ونرفض بكل إصرار أن نهاجر إلى المدينة الحديثة، بل نرفض الحداثة أصلا.
   كن ياعزيزي على يقين، عندما تحطك الصدفة في مدينة حقيقية، بأنك ستصاب بخيبة وجود، ويسقط في يدك، وتبحث عن أمك بدون جدوى، بل تتحول إلى ( بوجادي ) حقيقي... لأن المدينة التي لاتوجد في وجدانك وفي لغتك هي مدينة لا وجود لها.. لا وجود، عندك، إلا للإسمنت وللعلاقات الإسمنتية ( وعنداك ..واحض راسك... ودبر راسك... وسير تنبك ).
 
8 ــ وأنت، هل يمكنك أن تحكي لنا شيئا عن أمك بدون أن تكشف عن صدرك؟ بدون أن تشعر بأنك على وشك السقوط، إن لم تتشبت ببقايا ألوان وروائح ونساء و( حرامية ) ولغات بدائية، ببقايا بصمات قديمة ومفعمة حزنا وخيبة...
 
9 ــ إني أعرف بحكم الغواية وافتتان الحكاية أن رجلا آخر سواي، يسكنني ، يتكلم بلساني ويسمع بأذني ويحكم بقلبي، ربما أعرفه وربما لا أعرفه، رجل خنيفري، أكاد أحس بنبضه وبمقدار أنانيته وغيرته ومكابرته، بل وإصراره على أن يترك أمي لثأرها ولأسطورة نبلها، أن يتركها نائمة وينسل ــ مثلي ــ هاربا ، كالفاتح الذي اكتشف بعد فوات الأوان أن كل الفتوحات ليست سوى اغتصاب ، وأرذل أنواع الاغتصاب؛ اغتصاب الذات، اغتصاب الذاكرة، اغتصاب الأم .. كل الرجال يدخلون إلى خنيفرة عذريين أو مجرمين ويخرجون منها وقد شردتهم أو فصمتهم .. أو بصقت على وجوههم...
 
10 ــ هل تصدقينني أنت أم الرجل الآخر؟
  ــ ولماذا تحكي لي كل هذا الزابور؟
  ــ لأني أحبك وأحب فيك مدينتك...
  ــ اسمح لي يا خويا، راك غالط، أنا ماشي خنيفرية، أنا مراكشية.