القـصة المـغـربـيـة القـصـيرة
Mohamed Aziz El mesbahi
محمد عزيز المصباحي
الشركة المجيدة
-1-
كانت مياه البحر صافية كالزجاج. أحس براحة مطلقة، خارقة، وأنا أغطس في الماء بدون وسائل الغطس، لم أكن في الحقيقة أو في اليقظة أتقن فن السباحة، لكن حركاتي كانت مرنة وكان الماء كالهواء، طيعاً ومنعشاً..
بل أكثر من ذلك كنت أتنفس بسهولة وحرية وأنا أغطس في الأعماق.. فجأة، أثار انتباهي شيء يلمع بين الأعشاب البنفسجية، اقتربت منه، فإذا هو قمقم من تلك التي قيل أن سليمان الحكيم سجن فيها عفاريته ورماها في البحر، كدت أطير من الفرح، أخيراً جاء الفرج، كنت دائماً على يقين أن لا شيء يصلح من حالي سوى معجزة أو مصيبة.. أخرجت القمقم إلى الشاطئ وعالجته حتى انفتح، وإذا بدخان كثيف يصعد إلى عنان السماء، انكشف عن عملاق بطريقي الشكل فضفاف الهندام، وعلى رأسه عقال عربي وتفوح منه رائحة البنزين. خفت منه.. لكنه تدارك الأمر..
-لبيك يا سيدي.. أنا عبدك.. الدولار بين يديك..
حاولت أن أخفي فرحتي، لم أستطع، أخيراً جاء الفرج وها هي أوراق الدولار تتكدس أمام عيني.
-أولاً.. أعد لي قوتي وشبابي ثم هات ما عندك، وليس عندك من دولار.. أريد أن أعيش زمن الأمريكان.
وسمعت أصواتاً كثيرة، كأنها زغاريد أو بكاء أو قهقهات، فتحت عيني مذعوراً، وهرب العفريت.. كانت والدتي المسكينة واقفة على رأسي، وعلى محياها ابتسامة حيرة وشفقة.
-قم، جاءك رزق جديد، طفلة كأنها البدر في تمامه.
-هذا هو الرزق الذي لا تحسب له حساباً وينزل عليك كالصاعقة.
قلت لنفسي لقد صدق ذلك المعتوه، الذي قال مرة، لا تفرح، في هذا الزمان، بالرزق إلا بعد أن تبلعه وتهضمه وتطمئن عليه في المراحيض... وهذه المرأة المنحوسة، لا هم لها في الدنيا غير الحمل والحيض.. كالتابعة، تتبعني حتى إلى أرق أحلامي لتعكرها.
ورددت جدران البيت الصغير صدى الزغاريد البلهاء.. انتصبت واقفاً بعد أن غسلت يدي من الحلم نهائياً، رميت على ظهري بدلتي الرسمية الزرقاء، ودفعت بجثتي إلى الشارع، حائراً، لا أدري أين أتجه.. ماذا يفعل صاحب الرأس المقطوعة بالمزيد من الأولاد؟.. ماذا أفعل بزينة الحياة؟ في هذا الزمان الذي يولد فيه الإنسان ويندم، يتزوج ويندم، يلد ويندم ويموت ويندم.. لماذا الندم أيها العفريت؟
-2-
كدت أنتهي من نفض غبار مكتب السيد المدير العام، عندما أطل علي وجه صديقي المعتوه.
-صباح الخير يا صاحبي... مبروك الزيادة.
-في الهم والإثم والاحتقار...
-في الرزق يا عدو الله.. في زينة الحياة.. مبروك.
-لا داعي لسخريتك الآن، أنت لم تتزوج وليس لك أولاد، ولا هم لك، وتجدها فرصة ذهبية للنيل ممن سقطوا ضحايا من أمثالي.. قل لي كيف يمكن أن أسترجع ما ضاع من قوتي وشبابي، وما سار مع الواد من كرامة كانت لي...؟
-بسيطة، يكفي أن تحصل على خاتم سليمان، وتصبح بوساطته مديراً عاماً للشركة وينقلب الأصلع إلى عون أليف بين يديك، عند ذاك ستسترجع كل شيء حتى الأشياء التي ليس لك حق فيها.
وقطعنا ضحكتنا عندما طلع علينا وجه السيد المدير العام بتقطيبته المترزمنة ونظرته الجديرة بالمدير العام للشركة الوطنية لإنتاج جميع أنواع حبوب منع الحمل، المجيدة، التي أوقفت ما يزيد عن عشرين سنة من عمري، مستمراً بجانب مكتب مديريها الذين لم يكونوا إلا مديراً واحداً يستبدل أقنعته كما يستبدل أحذيته الأنيقة، كنت ولا أزال الخادم المطيع، الملبي لجميع الرغبات، مهما كانت، لم يبق لي في الحقيقة، إلا أن آخذ المدير إلى المراحيض حشاكم، وإلا ضاع المنصب وضعت معه، ضربت الرقم القياسي في كتمان الأسرار المهنية وغير المهنية لمديري الشركة المجيدة. ولماذا هي مجيدة؟ لأنها، ولأنها... لأنها هي مركز اتزان العالم.. لولاها، لكان سكان البلاد اليوم أضعاف أضعاف ما هم عليه.. ومن أين ستأتي لهم بالخبز والأمن والحليب.. تبارك الله!!
-قل لي، كل خدام الشركة، ليس لهم سوى طفل أو طفلين، بفضل شركتهم المجيدة إلا أنت، عندك ست بنات سابعتهن كأنها البدر في تمامه وكماله. كأنك قضيت كل هذه السنين في شركة لتشجيع النسل... كأنك جزار ويتغذى باللفت.
رن الجرس، فقفزت لتلبية الطلب، كانت صلعة السيد المدير براقة ونظيفة، كمكتبه، ثم أخذت تتمدد أمامي وكأنها مرآة بلورية.. رأيت في أعماقها زوجة المدير تلد مديراً صغيراً، رأيت سيادته يسعد به، رأيت أطر الشركة قد أصابتهم السعادة، ورأيت الأنوار والأعلام والكاميرات والخدم والحشم، بل الشركة نفسها، رأيتها في حلة بهيجة تحتفل بازدياد المدير الصغير وكذلك كنت وكان الخدم جميعاً.. وتبادلنا التهاني والقبل الحارة بهذه المناسبة العزيزة.. ثم اقتربت أكثر من الصلعة المباركة، أطمع أن أطبع عليها قبلة امتنان، وأنا في غاية العجب! "دنيا العجب، زوجات الخدم لا يلدن غير الخدم ولا تلد زوجات التجار والمحظوظين والبرامكة المكرمين سوى البرامكة، وأرباب المستقبل الباهر، كحظهم من الحياة، الذي يكسر الأحجار الصماء، لم يحدث قط أن ولدت زوجة أحدهم عاطلاً أو خادماً مثلي أو قرداً.. لكن عندما ولدت البغلة- حشاكم- ولدت بغلاً..!".
-انتبه، ماذا تفعل، ابتعد عن مكتبي، واسمع ما أقول، أريدك أن تكون أخف من الريح وأكثر أمناً من نفسك.. خذ هذا الصندوق الصغير حالاً إلى العنوان الموجود في هذه الورقة.. خذ هذا مفتاح الدار، ضع الصندوق هناك وعد حالاً، أخف من الريح.. اسمع، إياك أن تنسى إغلاق الباب، كل الأبواب من خلفك.
-نعم سيدي.. بسرعة سيدي.. هنيئاً سيدي.
احتضنت الصندوق وكأنني أحتضن المدير الصغير، كان ثقيلاً، تصدر منه أصوات شيء كأنه قنينات زجاجية.. قد تكون عطراً فاخراً.. أو زيتاً بلدياً عتيقاً.. أو خمرة غالية.. أو ماء معدنياً مستورداً.. غير مهم.
-"قنينات زيت بلدي؟ غير ممكن..".
وكلما ضربت في الطريق ازدادت وطأة الحمل ثقلاً، وازداد الطريق طولاً.
-"ماء معدنياً؟ مستحيل.."
على وجهي ومن تحت إبطي يتصبب العرق، أتضايق من رائحتي.. والدار لا تزال في الأفق البعيد..
-"قنينات عطر؟ رشوة معطرة يعني؟.. ربما لكن غير ممكن أيضاً.."
وأخيراً وصلنا.. قصر صغير، كثير الشرفات، متنوع النوافذ، في حي نظيف هادئ قليل البشر، كثير الشجر، يدفن الغم والهم في الكبد..
-"قنينات خمر مستورد ثمين؟ ممكن جداً.. كانت الخمرة دائماً شيئاً ممتازاً، في الدنيا والآخرة، ومن سكر هنا ولو مرة، لن يسكر بالتأكيد هناك".
أنزلت الصندوق إلى الأرض، أدخلت المزيد من الهواء إلى رئتي، وفتحت الباب على أبهى منزل شاهدته عيناي، كل شيء فيه نادر وجديد وثمين.. من أفرشة الأرض إلى الثريات المتدلية من كل مكان من السقف. حرت في أمري لمحت أمامي باباً آخر، قصدته، فتحته بنفس المفتاح، فانفتح، ودخلت، وجدت نفسي في مكان أعجب من الأول، كل ما فيه من أوان وحلي وتحف.. تختلف عن السابقة.
ورأيت أمامي باباً ثالثاً، ففتحته بنفس الطريقة، ووجدت ما أذهلني.. حتى تجاوزت ستة أبواب، وبقي الباب السابع، وأنا لا أشعر بثقل الصندوق من شدة دهشتي بالمكان. فتحت الباب السابع فانفتح على غرفة فاخرة، لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ذهن بشر.. انبهرت.. فتحت فمي.. فتحت عيني.. أخرجت لساني.. كان أمامي، بلحمه ودمه، الرجل العملاق، البطريقي الشكل الذي خرج لي من القمقم، بنفس هندامه الفضفاض وعقاله العربي الأبيض يقف على ركبتيه فوق السرير الحريري الناعم، وتحته تتمدد امرأة عارية تماماً.. ارتعدت مفاصلي، خفت على خدمتي، كدت أن أبتسم، تلعثمت، تراجعت إلى الوراء، ثم وجدت نفسي أجري في الشارع.
-3-
رجعت إلى بيتي ألهث، أحمد الله على السلامة، وإلا لكنت الآن مرمياً في الثلث الخالي من الدنيا... الأحلام أطماع، والأطماع أحلام، ومن لا يحلم عاش في الأمان.
كان كل شيء أمامي أسود اللون، متسخاً، الباب والأرض والجدران، والغرفتين اليتيمتين، طفلتي المولودة أيضاً متسخة، تفوح منها روائح البول والحليب المتعفن.. كان المنزل خالياً تماماً، حقيراً، كئيباً كالقبر، البنات في مكان ما، والمنحوسة عند الجيران، فقط كانت صغيرتي تنام في بولها كالملائكة، حملتها بين يدي في رفق، هدهدت وجنتيها... ففتحت في وجهي عينين رائعتين، وابتسمت.. غيرت خرقها المبتلة بأخرى نظيفة، ألبستها أجمل أثوابها، أجلستها فوق ركبتي، قبلت جبينها الناصع، وأخذت قلم أحمر الشفاه، لونت شفتيها الصغيرتين، ثم أسرعت إلى المطبخ لأحضر لها المزيد من الحليب.