القصة المغربية القصيرة

 

العـنـكـبـوت
 
(1) الشياطين الصغار

باكرا يستيقظ العنكبوت، تستبد به كالعادة نشوة غامضة وهو يصب الماء القارص على أطرافه ورأسه ، وهو يعدّ لنفسه الغامضة قهوتها السوداء ، وهو يجمع نفسه في بذلته البالية، وهو يتناول فطوره على عجل ، يدخن سيجارته ويجمع عتاده ، أسلحته وأسنانه، وهو يخرج إلى الشارع ، تطارده النشوة ...لاشك أن له موعدا هذا الصباح مع درس جديد، درس عن " فضائل كان وأخواتها " لم يفكر بعد كيف سينجزه مع شياطينه الصغار. مع آخر دقات الجرس الأصم ، يصل إلى باب قسمه ، يدفعه برفق وتوجس ، يدخل ثم يغلق الباب بإحكام ويلتفت إليهم ...يجد نفسه داخل غرفته الخاصة .لاشيء يربطه بهذه الغرفة القذرة  غير النوم ، الفراش لازال مبعثرا في مكانه كما تركه، الكأس الوحيدة لاتزال في موضعها بين الأوساخ وأعقاب السجائر. استلقى على أريكته المنهوكة في صمت ، لا يسمع لشياطينه حسا ولا حركة وكأنهم ليسوا هنا ـ لاشك أني قضيت الليلة نائما في القسم ـ يخلع بذلته ويندس في فراشه مستدفئا بشياطينه يصبح على خــــيـر.

(2) مونولوج داخلي

أشعر كأن هذا الوهم يكبلني / ماذا وقع لك يا حبيبي؟ / لساني يذوب وأشعر أن في فمي فم آخر وبين أسناني أسنان أخرى / أتؤمن بالأوهام يا حبيبي ؟ / طبعا أومن بها ما دمت أراها مجسدة أمام عيني ألا تشعر أنت بأننا نقف جميعا على صرح من الأوهام ، ولا هم لنا سوى البحث عن أية وسيلة للدفاع عن أوهامنا ؟ / ماذا غيرك؟ / بالعكس ، أشعر أنني بعيد عن التغيير كل البعد / ومع ذلك أنت اليوم غريب كأنك شخص آخر لا أعرفه / وهل تعرفني حقا؟/ أعتقد بأنني أعرفك كما أعرف نفسي/ومع ذلك فنحن معا مجرد نسخ رديئة لنسخة أصلية مفقودة/ ماذا تقصد بهذا الكلام ؟/ أقصد الحقيقة بدون سكر. المشكلة الحقيقية، في الحقيقة ليست هنا / أين ؟/ إنها فيك أنت ،لقد صرت شخصا آخر كأنك لست هو أناي .إنك لم تعد تحسن فعل أي شيء سوى أن تركب على كتفي طوال النهار، هل تفهمني ؟ كم تحتاج من الشرح والتأويل والهذر والتوكيد والجناس والوعظ وقطع السكر البيضاء لتحلي بها الحقيقة السوداء ؟ / ربما تكون القاعدة الجوهرية لعلاقتنا العابرة هي سوء التفاهم / إذن لنعمل معا من أجل تعميقه وتمتينه. نصبح على خير. 

(3) أناي الأخــرى

لنفترض مثلا، أنها النهاية : نهاية حكايتك مع هذا الشيء المبهم ، المتناقض،  الفج، الذي لا تستحي أن تسميه " حياة ". ماذا سيقع ؟ لاشيء على الإطلاق. لا تهتم، كل نهاية هي بداية وكل بداية هي نهاية. المهم أن لا تقوم بأي شيء. أنت لا تعيش حياتك بقدر ما تعيش حياة الآخرين...حياتك لايمكن أن تعيشها إلا حالما ... أنت لم تختر أن تكون ببغاء وإنما هو دور اختير لك ...ألا يناسبك؟ أن تكون ماء بين أيدي الآخرين. سيستعملونك لا محالة ويتوضأون بك، وفي النهاية ستجري بك المجاري إلى البحر. لكن ، لن يقبض عليك قابض. ماذا دهاك لماذا تهمل القيام بدورك .. هل تريد أن يتعثر التاريخ ؟ لا تخف مادام الناس لا يتذكرون سوى ترهاتهم وأوهامهم فلن يتعثر أي تاريخ.النباشون يعرفون ذلك بشكل جيد، المهم، تصبح على خير.                       

(4) الضجيج يحتدّ

يتراشق الشياطين الصغار بدفاترهم، يتقافزون فوق الطاولات. الضجيج يتعالى والصمت يحتدّ، يفتح العنكبوت فمه متوسلا، يخونه لسانه. سقف الغرفة متلاطم وسحيق. والصمت يتعالى والضجيج يحتدّ. تنفتح الباب بعنف، يقفز العنكبوت عاريا من سريره، يجد نفسه منبطحا مباشرة عند أقدام مكتب مدير المؤسسة العنكبوتية، ينسل الشياطين الصغار من السرير في نظام وانتظام، يفتح المدير المحترم فمه المحترم ويغلقه ويمططه بدون أن يصدر عنه أي صوت... يورق الضجيج ويحتد...أصوات حافلات ومعامل خشب وزنك، أمواج البحر والبر، زغاريد نساء مفجعات  وفرقعات الرصاص القيامة .. والعنكبوت ينام منبطحا على حافة السرير.                                                    

(5) عنكبوت نموذجي

بالمناسبة سأحكي لك خرافة، ليست للعبرة ولا لإحياء تراث مات، بل لأجعلك تفهم العنكبوت الآخر، إنه يسمع ويرى ولكنه لا يفهم شيئا. يرفض أن يفهم أنه مجرد شيء، لا يومن بنفسه ولا بغيره، لا تعرفه السماء ولا الأرض لا فصيلة له، لا يحب ولا يكره، لا يضر ولا ينفع، ومن ثمة فهو ـ بحول الله ـ مواطن نموذجي، بإمكانه أن يفكر، وبحرية تامة، في أمور قبر حياته وواجبات أولاده المدرسية, وان يخوض في شؤون عائلته على أبعد تقدير. أما الباقي فلا يهمه ( اطحــن ) يدوس على كرامته أو يجلس عليها، يشبع نزواته وغزواته قدر الإمكان ولا ينس أبدا أن يسلي نفسه قبل أن ينام ...لذلك لن تفهمه إن لم تفهم خرافته. يصبح على خير.

(6)  نبـــوءة

وعلى خير ستسدل الستارة على مشهد تافه من حياة رديئة، بلا طعم ولا رائحة، تنتقل من قبر حياتك إلى قبر مماتك. قبر فردي ضيق ، قصير ، يتخذ شكل هذا النص، وأنت داخله ممدد على بطنك لا تصغي إلي بقدر ما تنشغل بأمور معدتك أو سيارتك أو برامج خالتك أو تلفزتك. هذا هو أفقك الممكن. أعترف أنني لا أفهمك إطلاقا. ولو أني أتخيل دواخلك المتعفنة وأتصور الدود الأسطوري الذي يتحرك هناك بلا هوادة. ماذا يمكنني أن أعرف عنك مثلا ؟ سوى أنك تستيقظ صباحا. لابد أنك تنام ليلا لتستيقظ صباحا. ولابد أنك ترتدي ملابسك قبل تناول فطورك، ولابد أنك تعد قهوتك وحليبك بنفسك، ولابد أنك تحركهما بملعقتك ليذوب السكر ... ثم تتناول خبزك المدهون. وبماذا هو مدهون ؟ بالسم بدون شك، سم العناكب، وإلاّ لما استطعت أن تكون بهذه الدرجة القصوى من الوقاحة والبرودة واللامبالاة. ثم لابد لك أن تخرج إلى عملك. ماذا تعمل بالضبط ؟ لا أحد يدري.

(7) وقاحــة

أجالسك كل يوم ساعة أو ساعتين، أشرب بك قهوتي السوداء تشرب بي قهوتك المكسرة. نحن معا نشكل جزءا أساسيا من مراسيم قهوتنا اليومية كمنفضة أو كأس ماء أو نادل أو متسول بدون ملامح أو جريدة لا تقرأ .. ولا وجود لك خارج هذا الإطار، أنت خيط من نسيج عنكبوت هائل يشدّ بعضه بعضا ... انتبه إنك تضع رجلك فوق رأسي ولا تخجل. انتبه إنك تسمح لي أن أضع رجلي فوق رأسك بدون أن أخجل.                 

(8) قارئي الافتراضي

وأعوذ بالله من قول " أنت " وقد أجد لديك  " أنت " عذرا إن كنت لا أتقن الحديث بلغتك ، فأنت أيضا لا تتكلم لغتي. إياك أن تعتقد أن الفصل بين ما تقوله اللغة وما لا تقوله ممكن. لا يهمني أمرك مثلما لا يهمك أن أخسرك، فأنت ـ حتما ـ قد تعبت كثيرا لتصنع على مقاسك كاتبك الخصوصي، المثالي، وربما تعبت أكثر من أجل تحنيط لسانه .لايهمني إن كنت عنكبوتا أو حرباء ،كلنا عناكب الله، يكفيني أن أحلم بطلعتك، فأنت موجود، لا تسألني كيف ؟ فليست مهمتي أن أنورك ... افترض أن نوبة شديدة من الضجر قد أصابتني، ولم أجد وسيلة أدفع بها ضجري سوى أن أنصب لك هذا القبر.   

محمد عزيز المصباحي