%@ Language=JavaScript %>
شــذراتـــ ـــ ـــ ـــ ــ ـــ ـ ــ ـ
أحلام مستغانمي
![]()
العبيد ... لا يحررون أوطانا
مَن يذكر منكم أُغنية عبدالحليم حافظ في زمن الغضب العربي الجميل، عندما كان يلاحقنا صوته على الإذاعات العربية منادياً إيّانا "يا بركان الغضب يا موحِّد العرب"، فتتدفّق حُمم ذلك البركان على الشوارع العربية، التي كانت طلَّة عبدالناصر، وكلمات قليلة منه، تتحكّم في ارتفاع درجة غليان أُمَّــة بأكملها؟
ما كنا يومها نملك أجهزة تلفزيون، ولا كانت لعنة الفضائيات قد حلّت بنا، لتُحوّلنا إلى جيش من المشاهدين، يبذرون ذخيرة غضبهم في التفرُّج على "صراع الديَكة العربية".
كنا في زمن النفط الأول، بريئين وساذجين، ممتلئين بعنفوان عروبتنا، وشعارات تؤكد وحدة مصيرنا. وكنا "إذا بلغ الفِطام لنا صبيٌّ " لا يُطالب بغير الرشاش لعبةً، لتحرير الجزائر أو فلسطين.
اليــــوم، وقد بلغنا سن اليأس العربي، أصبحنا لا نطالب بغير الدش والصحون اللاقطة، لنتفرّج على جيش المطربات والمطربين، وعلى نشرات الأخبار التي تنقل لنا غضب الآخرين. فكأنَّ أغنية عبدالحليم قد غــــدت "يا بركان الغضب.. يا مُوحِّد الغــرب". أما نبـــوءة فيــــروز، فما توقعنا أن تصدق، لكن "الغضب الساطع"، الذي وُعدنا به، سيأتينا من حيث لا نتوقع.. من شوارع باريس ولندن وأميركا نفسها، فهل جاءنا زمن نستورد فيه الغضب أيضاً من الغرب.. بعد أن استوردنا منه أسبابه؟
تفرَّجنا عليهم يسيرون بالملايين في أربعمئة مدينة في العالم، في أكبر مُظاهرة عرفتها البشرية، منذ نهاية الحرب العالمية، مُطالبين أميركا بعدم إلقــاء أطنان قنابلها على شعب، سبق لها أن جوَّعتــه، وشرَّدته، ومنعت عنه حقَّه في المعرفة، وحقَّه في الدواء، وحقَّه في أن يلد أطفالاً أسويـــاء..
لأننا أُمَّــة قاصرة، لم يبلغ جميع أبنائها سن "المواطَنة"، بعض مَن أُذِنَ له منَّا بالغضب، خرج ليتضامن مع الغرب في مسيرته.. لنصرتنــا، كي لا يبدو متخلِّفاً عن مستجدات العصر، بعد أن تمَّ أيضاً عولمة الغضب، وأصبح في إمكان الأحرار من أبناء البشرية، استعمال الاحتجاج السلمي، سلاحاً في وجه حكّام، على عظمتهم، يتحكَّم في كراسيهم مزاج الشارع، واستفتاءات الرأي العام، بينما يحكم شوارعنا مزاج الحاكم، الذي لا يأذن لنا بالخروج، إلاّ في مواكب الفرح، يوم مبايعته لولاية جديدة، أو في مسيرات الصراخ والهتاف الملقَّن، لنكون بوقه وذراعه، ضد مَن اختار لنا من أعــداء.
كيف للعبيد أن يحرِّروا أوطاناً؟ وقد قال فولتير "لا يمكن للناس في بلد أن يتساووا بالثورة.. ولكن يمكنهم أن يتساووا بالحرِّية"، كحرية الذين تظاهروا في أميركا ضــدّ بوش، ناعتينه بما شاء لهم الغضب من نعوت، رافعين شعارات كُتب عليها "لا.. ليس باسمنا". وذهب البعض في لندن حتى إظهار بلير في شكل كلب، لتبعيَّته سياسة جورج بوش بإخلاص كلب.
ولأننا شعوب "نعــم"، ولم نكتسب بعدُ ثقافة الحرية، ولا تقاليد التظاهر والاحتجاج الحضاريِّ، ولا ندري ماذا نفعل بأطنان الغضب التي يختزنها كل مواطن عربي، فقد سعدنا بممارسة حقنا في حرق الأعلام الأميركية والإسرائيلية. وبدل رفع التوابيت الرمزية لآلاف الرضَّع، الذين ماتوا إثر الحصار الأميركي، رفعنا عشرات الرشاشات التي سنرد بها على طائرات أميركا وترسانتها، التي سبق أن دمّرنا إكراماً لمفتِّشيها كلّ ترسانتنا.ومقابل ملايين اللافتات، التي رفعها الغربيون، وكُتب عليها"لا للحــــرب"، لم نقاوم جينات عبوديتنا،وأجبنا برفع صــور طُغاتنا الذين قتلوا الفقراء، ثمَّ قاتلوا بهم، مقابل بقائهم جالسين على كراسي من الجماجم.
وفي إمكاننا اليوم أن نضحك كثيراً من جياع الهند وباكستان، نحــن الذين في مقايضة ذكيَّة، استبدلنا بوطن كان يملك واحداً من أكبر احتياطيِّ النفط في العالم.. كعكة ميلاد في حجم وطن، يزينها سادة الحرب كل عام بجماجم أبنائنا.
لكــأنَّ أنطوان سعادة، كان يفكّر في يوم كهذا، عندما قال: "إنْ لم تكونوا أحراراً في أُمَّـة حرَّة.. فحرِّيــات الأُمم عــــارٌ عليكم"..
دام عزُّكــم.